فصل: ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء **


  ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة

ما ملكه الروم من البلاد في هذه السنة سارت الروم إِلى الشام ففتحوا إنطاكية بالسيف وقتلوا أهلها وغنموا وسبوا ثم قصدوا حلب وقد تغلب عليها قرعويه غلـام سيـف الدولـة بـن حمـدان بعـد طـرد ابـن أستاذه أبي المعالي عنها فتحصن قرعويه بالقلعة وملك الروم مدينة حلب وحصروا القلعة ثم اصطلحـوا علـى مـال يحملـه قرعويـه إلى ملك الروم في كل سنة وكانت المصالحة بحمل المال المقرر على حلب وما معها من البلاد وهي حماة وحمص وكفر طاب والمعرة وأفامية وشيزر وما بين ذلك ودفع أهل حلب الرهائـن بالمـال إِلـى الـروم فرحلـت الـروم عـن حلـب وعـادت المسلمـون إِليها‏.‏

وفيها رسل ملك الروم إِلى ملاز كرد من أرمينية جيشاً فحصروها وفتحوها عنوة بالسيف وصارت البلاد كلها مسبية ولا يمنع الروم عنها مانع‏.‏

قتل ملك الروم كان قد غلب على ملك الروم رجل ليس من بيت المملكة واسمـه نقفـور وخـرج إلـى بلـاد الإسلام وفتح من الشام وغيره ما ذكرناه وطمع في ملك جميع الشام وعظمت هيبته وكان قد قتل الملك الذي قبله وتزوج امرأته ثم أراد أن يخصي أولادها الذين مـن بيـت الملـك لينقطـع نسلهـم ويبقـى الملـك فـي نسل نقفور المذكور وعقبه فعظم ذلك على أمهم التي هي زوجة نقفور فاتفقـت مـع الدمستـق علـى قتله وأدخلت الدمستق مع جماعة في زي النساء إِلى كنيسة متصلة بدار نقفور فلما نام نقفـور وغلقـت الأبـواب قامـت زوجتـه ففتحـت البـاب الـذي إِلـى جهـة الكنيسة ودعت الدمستق فدخل على نقفور وهـو نائـم فقتلـه وأراح اللـه المسلميـن مـن شـره وأقـام الدمستـق أحـد أولادهـا الـذي مـن بيـت الملـك فـي الملـك والدمستـق عندهم اسم لكل من يلي استيلاء أبي تغلب بن ناصر الدولة على حران فـي هـذه السنـة سـار أبو تغلب إِلى حَران وحاصرها مدة وفتحها بالأمان فاستعمل على حران البرقعيدي وهو من أكابر أصحاب بني حَمْدان ثم عاد أبو تغلب إِلى المَوْصل‏.‏

غير ذلك من الحوادث في هذه السنة اصطلح قرعويه مع ابن أستاذه أبي المعالي وخطب له بحلب وكان أبو المعالي حينئذ بحمص وخطب أيضاً بحمص وحلب للمعز لدين اللـه العلـوي صاحـب مصـر وخطـب بمكة للمطيع وبالمدينة النبوية للمعز وخطب أبو محمد الموسوي والد الشريف الرضي خـارج المدينة للمطيع‏.‏

وفي هذه السنـة مـات محمـد بـن داود الدينـوري المعـروف بالرقـي وهـو مـن مشاهيـر مشايـخ الصوفية والقاضي أبو العلا محارب بن محمد بن محارب الفقيـه الشافعـي وكـان عالمـاً بالفقـه والكلام‏.‏

  ثم دخلت سنة ستين وثلاثمائة

ملك القرامطة دمشق في هذه السنة في ذي القعدة وصلت القرامطة إِلى دمشق وبلغ خبرهم جعفر ابن فلاج نائب المعز لدين الله فاستهان بهم فكبسوه خارج دمشـق وقتلـوه وملكـوا دمشـق وأمنـوا أهلهـا ثـم ساروا إِلى الرملة فملكوها ثم اجتمع إليهم خلق من الإخشيدية‏.‏

فقصدوا مصر ونزلوا بعين شمس وجرى بنيهم وبين المغاربة وجوهر قتال انتصرت فيـه القرامطـة ثـم انتصـرت المغاربـة فرحلت القرامطة وعادوا إلى الشام وكان كبير القرامطة حينئذ اسمه الحسن بن أحمد بن بهرام‏.‏

غير ذلك من الحوادث في هذه السنة استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أبا القاسم ابن عباد‏.‏

وفيها مات أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة بأصفهان وكان عمره مائة سنة‏.‏

وفيها توفي السري الرفاء الشاعر الموصلي ببغداد‏.‏

  ثم دخلت سنة إِحـدى وستيـن وثلاثمائـة

فـي هـذه السنـة وصلـت الروم إِلى الجزيرة والرها ونصيبين فغنموا وقتلوا ووصل المسلمون إلى بغداد مستصرخين فثارت العامة‏.‏

وجرى في بغداد فتن كثيرة واستغاثوا إِلى بختيار وهو في الصيد فوعدهم الخروج إِلى الغزاة وأرسل بختيار يطلب من الخليفة المطيع مالاً فقال المطيع‏:‏ أنا ليس لي غير الخطبـة فـإِن أحببتـم اعتزلـت فتهـدده بختيار فباع الخليفة قماشه وغير ذلك حتى حمل إِلى بختيار أربعمائـة ألـف درهـم فأنفقهـا بختيار وأخرجها في مصالح نفسه وبطل حديث الغزاة وشاع في الناس أن الخليفة صودرَ‏.‏

وفي هذه السنة سار المعز من إفريقية في أواخر شوال واستعمل على بلاد إفريقية يوسف ويسمـى بلكيـن بـن زيـري بـن منـاذ الصنهاجـي وجعل على بلاد صقلية أبا القاسم علي بن الحسين بن علي بن أبي الحسين وعلى طرابلس الغرب عبد الله بن يخلف الكتامي واستصحب المعز معه أهله وخزانته وفيها أموال عظيمة حتى سبك الدنانير وعملها مثل الطواحين وشالها على جمال ولما وصل إلى برقة ومعه محمد بن هاني الشاعر الأندلسي قتل غيلة لا يدري من قتله وكان شاعراً مجيداً وغالي في مدح المعز حتى كفر في شعره فمما قاله‏:‏

ما شئتَ لا ما شاءَتِ الأقدار ** فاحكمْ فأنـتَ الواحـد القهـار

ثـم سـار المعـز حتـى وصـل إِلـى الإسكندريـة فـي أواخر شعبان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وأتاه أهل مصر وأعيانها فلقيهم وأكرمهم ودخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستيـن وثلاثمائة‏.‏

غير ذلك من الحوادث فـي هـذه السنة تم الصلح بين منصور بن نوح الساماني صاحب خراسان وبين ركن الدولة بن بويه على أن يحمل ركن الدولة إِليه في كل سنة مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار وتزوج منصور بابنة عضد الدولة‏.‏

وفيها ملك أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان قلعة ماردين

  ثم دخلت سنة اثنتيـن وستيـن وثلاثمائـة

فيهـا وصل الدمستق إلى جهة ميافارقين فنهب واستهان بالمسلميـن فجهز أبو تغلب بن ناصر الدولة أخاه هبة الله بن ناصر الدولة في جيش فالتقوا مع الدمستق فانهزمت الروم وأخذ الدمستق أسيراً وبقي فـي الحبـس عنـد أبـي تغلـب ومـرض فعالجه أبو تغلب فلم ينجع فيه ومات الدمستق في الحبس‏.‏

غير ذلك من الحوادث في هذه السنة استوزر عز الدولة بختيار محمد بن بقية فعجب الناس‏.‏

من ذلك لأن ابن بقية كان رضيعاً في نفسه من أهل أوانا وكان أبوه أحد الزراعين‏.‏

وفي هذه السنة حصلت الوحشة بين بختيار وبين أصحابه من الديلم والأتراك‏.‏

  ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة

خلع المطيع وخلافة ابنه الطايع كـان بختيار قد سار إِلى الأهواز وتخلف سبكتكين التركي عنه ببغداد فأوقع بختيار بمن معه من الأتراك واحتاط على إِقطاع سبكتكين فخرج عليه سبكتكين ببغداد فيمن بقي معه من الأتراك ونهب دار بختيار ببغداد ولمـا حكـم سبكتكيـن رأى المطيـع عاجـزاً مـن المـرض وقـد ثقل لسانه وتعذرت الحركة عليه وكان المطيع يستر ذلك فلما انكشف لسبكتكين دعاه إِلى أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها إِلى ولده الطايع فأجـاب إِلـى ذلـك وخلـع المطيـع للـه المفضـل نفسه في منتصف ذي القعدة من هذه السنة أعني سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وكانت مدة خلافته تسعاً وعشرين سنة وخمسة أشهر غير أيام‏.‏

وبويع الطايع لله وهو رابع عشرينهم واسمه عبد الكريم بن المفضل المطيع لله بن جعفر المقتدر بن المعتضد أحمد وكنية الطايع المذكور أبو بكر واستقر أمره‏.‏

أحوال المعز العلوي وفي هذه السنة سارت القرامطة إِلى ديار مصر وجرى بينهم وبين المعز حروب آخرها أن القرامطة انهزمت وقتل منهم خلق كثير وأرسل المعز في أثرهم عشرة آلاف فارس فسارت القرامطة إِلى الإِحساء والقطيف ولما انهزمت القرامطة وفارقـوا الشـام أرسـل المعـز لديـن اللـه القائـد ظالـم بـن موهـوب العقيلـي إِلـى دمشـق فدخلهـا وعظـم حالـه وكثـرت جموعـه‏.‏

ثـم وقع بين أهل دمشـق والمغاربـة وعاملهـم المذكـور فتن كثيرة وأحرقوا بعض دمشق وعامت الفتن بينهم إِلى سنة أربع وستين وثلاثمائة‏.‏

حال بختيار لما جرى لبختيار وسبكتكين والأتراك ما ذكرناه انحدر سبكتكين بالأتراك إِلى واسط وأخذوا معهم الخليفة الطايع والمطيع وهو مخلوع فمات المطيع بديـر العاقـول ومـرض سبكتكيـن ومـات أيضاً وحملا إِلى بغداد وقدم الأتراك عليهم أفتكين وهو من أكابر قوادهم وساروا إِلى واسط وبها بختيار فنزلوا قريباً منه ووقع القتال بين الأتراك وبختيار قريب خمسين يوماً والظفر للأتراك ورُسُل بختيار متتابعة إِلى ابن عمه عضد الدولة بالحث والإسراع وكتب إِليه‏:‏ فإِن كنتُ مأكولاً فكن أنت آكلي وإلا فأدركنـي ولما أمزق فسـار عضـد الدولة إِليه وخرجت هذه السنة والحال على ذلك‏.‏

وفي هذه السنة انتهى تاريخ ثابت بن قره وابتدأه من خلافة المقتدر سنة خمس وتسعين ومائتين‏.‏

  ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة

والقبض على بختيار في هذه السنـة سـار عضـد الدولـة بعساكـر فـارس لمـا أتـاه مكاتبـات بختيار كما ذكرناه فلما قارب واسط رجع أفتكين والأتراك إِلى بغداد وصار عضد الدولة مـن الجانـب الشرقـي وأمـر بختيـار أن يسيـر في الجانب الغربي إِلى نحو بغداد وخرجت الأتراك من بغداد وقاتلوا عضد الدولة فانهزمت الأتراك وقتل بينهم خلق كثير وكانت الوقعة بينهم رابع عشـر جمادى الأولى من هذه السنة وسار عضد الدولة فدخل بغداد وكان الأتراك قد أخذوا الخليفة معهم فرده عضد الدولة إِلى بغداد فوصل الخليفة إِلى بغداد في الماء ثامن رجب من هذه السنة‏.‏

ولمّا استقر عضد الدولة ببغداد شغبت الجند على بختيار يطلبون أرزاقهم ولم يكن قد بقي مع بختيار شيء من الأموال فأشار عضد الدولة على بختيار أن يغلق بابه ويتبرأ من الإمرة ليصلح الحال مع الجند‏.‏

ففعل بختيار ذلك وصرف كتابه وحجابه فأشهد عضد الدولة الناس على بختيار أنه عاجز وقد استعفى من الإمرة عجزاً عنها ثم استدعى عضد الدولة بختيار وأِخوته إِليه وقبض عليهم في السادس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة واستقر عضد الدولة ببغداد وعظم أمر الخليفة وحمل إِليه مالاً كثيراً وأمتعة‏.‏

عود بختيار إلى ملكه لما قبض بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة متولياً لها فلما بلغه قبض والده كتب إِلى ركن الدولة يشكو إليه ذلك فلما بلغ ركن الدولة ذلك عظم عليه حتى ألقى نفسه إلـى الـأرض وامتنع عن الأكل والشرب حتى مرض وأنكر على عضد الدولة أشد الإِنكار‏.‏

فأرسل عضد الدولة يسأل أباه في أن يعوض بختيار مملكة فارس فأراد ركن الدولة قتل الرسول وقال‏:‏ إِن لم يعـد بختيار إِلى مملكته وإلا سرت إِليه بنفسي وكان قد سيّر عضد الدولة أبا الفتح بن العميد إِلى والده ركن الدولة أيضاً في تلطيف الحـال فـرده ركـن الدولـة أقبـح رد فلمـا رأى عضـد الدولة اضطراب الأمور عليه بسبب غضب أبيه اضطر إلى امتثال أمره فأخرج بختيار من محبسـه وخلـع عليـه وأعـاده إِلـى ملكه وسار عضد الدولة إِلى فارس في شوال من هذه السنة‏.‏

استيلاء أفتكين على دمشق كان أفتكين من موالي معز الدولة بن بويه وكان تركياً فلما انهزم من بختيار عند قدوم عضد الدولة حسبما ذكرناه سار إلى حمص ثـم إِلـى دمشـق وأميرهـا ريـان الخـادم مـن جهـة المعـز العلوي فاتفق أهل دمشق مع أفتكين وأخرجوا ريان الخادم وقطعوا خطبة المعز في شعبان واستولى أفتكين على دمشق فعزم المعز العلوي على المسير من مصر إِلى الشام لقتال أفتكين فاتفـق مـرت المعـز فـي تلـك الأيـام على ما نذكره وتولى ابنه العزيز فجهز القائد جوهراً إِلى الشام‏.‏

فوصـل إلـى دمشـق وحصـر أفتكيـن بهـا فأرسـل أفتكيـن إِلـى القرامطـة فسـاروا إِلـى دمشق فلما قربوا منها رحل جوهر عائداً إلى جهة مصر فسار أفتكين والقرامطة في أثره واجتمع معهم خلق عظيم فلحقوا جوهراً قرب الرملة فرأى جوهر ضعفـه عنهـم فدخـل عسقلـان فحصـروه بهـا حتى أشرف جوهر وعسكره على الهلاك من الجوع فراسل جوهر أفتكين وبـذل لـه أمـوالاً عظيمة في أن يمن عليه ويطلقه فرحل عنه أفتكين‏.‏

وسار جوهر إِلى مصر وأعلـم العزيـز بصـورة الحـال فخـرج العزيـز بنفسـه وسـار إِلـى الشـام فوصل إِلى ظاهر الرملة وسار إِليه أفتكين والقرامطة والتقوا وجرى بينهم قتال شديد وانهزم أفتكين والقرامطة وكثر فيهم القتل والأسر وجعل العزيز لمن يحضر أفتكين مائة ألف دينار وتم أفتكين هارباً حتى نزل ببيت مفرج بن دغفل الطائي فأمسكه مفرج بن دغفل المذكور وكان صاحب أفتكين وحضر مفرج إلى العزيز وأعلمه بأسر أفتكين وطلب منه المال فأعطاه مـا ضمنـه وأرسـل معه من أحضر أفتكين فلما حضر أفتكين ممسوكاً بين يدي العزيز أطلقه ونصب له خيمة وأطلق من كان في الأسر من أصحابه وحمل العزيز إِليه أموالاً وخلعاً ثم عاد العزيز إِلى مصر وأفتكين صحبته على أعظم ما يكون من المنزلة وبقي كذلك حتى مات أفتكين بمصر‏.‏

وفاة المعز العلوي وولاية ابنه العزيز في هـذه السنـة توفـي المعـز لديـن اللـه أبـو تميـم معـد بـن المنصـور باللـه إِسماعيـل ابـن القائـم بأمـر اللـه أبـي القاسـم محمـد بـن المهـدي عبيـد اللـه العلـوي الحسينـي بمصـر فـي سابـع عشـر ربيـع الـأول وولد بالمهدية من إِفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة فيكون عمره خمساً وأربعين سنة وستة أشهر تقريباً وكان مغواً بالنجوم ويعمل بأقوال المنجميـن وكـان فاضـلا ولمـا مـات المعز أخفى العزيز ابنه موته وأظهره في عيد النحر من هذه السنة وبايعه الناس‏.‏

غير ذلك من الحوادث فـي أواخـر هـذه السنـة وأول التـي بعدهـا سـار أبـو القاسـم بـن الحسـن بـن علي بن أبي الحسين أمير صقلية إِلـى الغـزوة ففتـح مدينـة مسينـة ثـم عـدى إِلـى كتنـه ففتحهـا وفتـح قلعـة جلـوى وبـث سرايـاه فـي نواحي قلورية وغنم وسبى وفتح غير ذلك من تلك البلاد‏.‏

وفيها خطب للعزيز العلوي بمكة‏.‏

وفيها توفي ثابت بن سنان ابـن قـرة الصابـي صاحـب التاريـخ‏.‏

وفيهـا وقيـل بـل فـي سنـة سـت وستيـن وثلاثمائـة وقيـل فـي سنـة سـت وثلاثيـن وثلاثمائـة توفـي أبو بكر واسمه محمد بن علي بن إِسماعيل القفـال الشاشـي الفقيـه الشافعـي إِمـام عصـره لـم يكن بما وراء النهر في وقته مثله رحل إِلى العراق والشام والحجاز وأخذ الفقه عن ابن سريج وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه وروى عنه الحاكم بن منده وجماعة كثيرة وأبو بكر القفال المذكور هو والد قاسم صاحب كتاب التقريـب الـذي ينقل عنه في النهاية والوسيط والبسيط وذكره الغزالي في الباب الثاني من كتاب الرهن كنه قال أبو القاسم وهو غلط وصوابه القاسم وهذا التقريب غير التقريب الذي لسليم الـرازي فـإِن التقريـب الـذي للقاسـم بـن القفـال الشاشـي قليل الوجود بخلاف تقريب سليم الـرازي‏.‏

والشاشـي منسـوب إِلـى الشـاش وهـي مدينة وراء نهر سيحون في أرض الترك وأبو بكر محمد الشاشي المذكور غير أبي بكر محمد الشاشي صاحـب العمـدة والكتـاب المستظهـري الذي سنذكره إِن شاء الله تعالى في سنة سبـع وخمـس مائـة المتأخـر عـن الشاشـي القفـال المذكور‏.‏

  ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة

 وفاة ركن الدولة

وملك عضد الدولة فـي هـذه السنـة في المحرم توفي ركن الدولة الحسن بن بويه واستخلف على مماليكه ابنه عضد الدولة وكان عمر ركن الدولة قد زاد على سبعين سنة وكانت إمارته أربعاً وأربعين سنة وأصيب به الدين والدنيا جميعاً لاستكمال خلال الخيـر فيـه وعقـد لولـده فخـر الدولـة علـى همدان وأعمال الجبل لولده مزيد الدولة على أصفهان وأعمالها وجعلهما تحت حكم أخيهما مسير عضد الدولة إِلى العراق وفيها بعد وفاة ركن الدولة سار عضد الدولة إِلى العراق فخرج بختيار إِلى قتاله فاقتتلا بالأهـواز وخامـر أكثـر جيـش بختيـار عليـه فانهـزم بختيـار إِلـى واسـط وبعـث عضـد الدولـة عسكراً فاستولوا على البصرة ثم سار بختيار إِلى بغداد وسار عضد الدولة إلى البصـرة وتلك النواحي وقرر أمورها واستمر الحال على ذلك حتى خرجت هذه السنة‏.‏

ابتداء دولة آل سبكتكين وفي هذه السنة ملك سبكتيكين مدينة غزنة‏.‏

وكان سبكتكين من غلمان أبي إِسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة للسامانية وكان سبكتكين مقدماً عند مولاه أبي إِسحاق لعقله وشجاعته فلما مات أبو إِسحاق ولم يكن له ولد اتفق العسكر وولوا سبكتكين عليهم لكمال صفات الخير فيه وحلفوا له وأطاعوه ثم إِن سبكتكين عظم شأنه وارتفع قدره وغزا بلـاد الهند واستولى على بُسْت وفصْدار‏.‏

غير ذلك من الحوادث فيهـا مـات منصـور بـن نـوح بن نصر بن أحمد بن إِسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان صاحب خراسان وما وراء النهر في منتصف شوال في بخارى وكانت ولايته نحو خمس عشرة سنة وولـي الأمـر بعـده ابنـه نـوح بـن منصور وعمره نحو ثلاث عشرة سنة وفيها مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي قضاة الأندلس وكان إِماماً فقيهـاً خطيبـاً شاعـراً ذا ديـن متيـن وفيهـا قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد وزير أبيه وسمل عينه الواحدة وقطع أنفه وكان أبو الفتح ليلة قبض قد أمسى مسروراً وأحضر ندماءه وأظهر من الآلـات الذهبيـة والزجـاج المليح وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله وشربوا وعمل شعراً وغني له به وهو‏:‏ دعـوت المنى ودعوتُ العلى فلما أجابا دعـوتُ القَـدَح وقلت لأيام شرخ الشبابِ إِلي فهذا أوان الفرح إِذا بلـغ المـرء آماله ليس له بعدها مقترح فطاب عليه وشرب حتى سكر ونام فقبض عليه في السحر من تلك الليلة‏.‏

وفاة الحكم الأموي صاحب الأندلس الملقب بالمستنصر فـي هـذه السنـة‏.‏

توفـي الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمـن بـن الحكـم بـن هشـام بـن عبـد الرحمـن الداخـل بـن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي صاحب الأندلس وكانت إِمارته خمسٍ عشرة سنة وخمسة أشهر وعمره ثلاثاً وستين سنة وسبعة أشهر وكان فقيهاً عالماً بالتاريخ وغيره وعهد إِلى ابنه هشام بن الحكم وعمره عشر سنين ولقبه المؤيد بالله فلما مات بايع الناس ابنه هشاماً ولما بويع المؤيد هشام بالخلافة وكـان عمـره عشـرة أعـوام فتولـى حجابته وتنفيذ أموره أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد ابن الوليد بن يزيد المعافري القحطاني ويلقب أبو عامر المذكور بالمنصور واستولى على الدولة وحجب المؤكد ولم يترك أحداً يصل إِليه ولا يراه واستبد بالأمر وأصل المنصور بن أبي عامر المذكور من الجزيرة الخضراء من الأندلس من قرية مـن أعمالهـا تسمـى طـرش واشتغـل المنصور بالعلوم في قرطبة وكانت له نفس شريفة فبلغ معالي الأمور واجتمعت عنده الفضلاء وأكثر الغزو والجهاد في الفرنج حتى بلغت عدة غزواتـه نيفـاً وخمسيـن غـزوة ومـن عجائـب الاتفاقـات أن صاعد بن الحسن اللغوي أهدى إِلى المنصور المذكور أيلاً مربوطاً في رقبته بحبل وأحضر مع الأيل أبياتاً يمتدح المنصور فيها وكان المنصـور قـد أرسـل عسكـراً لغـزو الفرنـج وملكهم إِذ ذاك اسمه غرسية بن سانجة والأبيات كثيرة منها‏:‏ عبـد نشلـت بضبعـه وعرستـه في نعمة أهدى إليك بأيل سمتـه غرسية وبعثته فـي حبله ليتاح فيه تفاؤلي فلأن قبلت فتلك أسنـى نعمـة أسـدى بهـا ذو منحـة وتطول فقضـى اللـه فـي سابـق علمـه أن عسكـره أسـروا غرسيـة فـي ذلـك اليـوم الـذي أُهدي فيه الأيل بعينه وكان أسـر غرسيـة‏.‏

وهـذه الواقعـة فـي ربيـع الآخـر سنـة خمـس وثمانيـن وثلاثمائـة وبقـي المنصـور علـى منزلته حتى توفي في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

عود شريف إلى ملك حلب فيها عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة إِلى ملك حلب وسببه أنه لما جرى بين قرعويه وبيـن أبي المعالي ما قدمنا ذكره من استيلاء قرعويه على حلب ومقام أبي المعالي بحماة وصل إِلـى أبـي المعالـي وهو بحماة مارقطاش مولى أبيه من حصن برزية وخدمه وعمر له مدينة حمص بعـد ما كان قد أخربها الروم وكان لقرعويه مولى يقال له بكجور وقد جعله قرعويه نائبه فقوي بكجور واستفحل أمره وقبض على مولاه قرعويه وحبسه في قلعة حلب واستولى بكجور على حلب وكاتب أهلها أبا المعالي فسار أبو المعالي إِلى حلب وأنزل بكجور بالأمان وحلف له أنه يوليه حمص فنزل بكجور وولاه أبو المعالي حمص واستقر أبو المعالي مالكاً لحلب‏.‏

غير ذلك فـي هـذه السنـة توفـي بهستـون بـن وشمكيـر بجرجـان واستولـى على طبرستان وعلى جرجان أخره قابوس بن وشمكير بن زيار‏.‏

وفيها توفي يوسف بن الحسن الجنابي القرمطي صاحب هجر ومولده سنة ثمانين ومائتين وتولى أمر القرامطة بعده سنة نفر شركة وسموا السادة‏.‏